الشيخ محمد علي طه الدرة
18
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
قلوبهم . مثل قوله تعالى في سورة ( الصف ) : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ومعنى : لا تُزِغْ إلخ : ثبتنا على هدايتك ؛ إذ هديتنا ، وألا نزيغ فنستحقّ أن تزيغ قلوبنا ، وروى الترمذيّ من حديث شهر بن حوشب - رضي اللّه عنه - قال : قلت لأمّ سلمة - رضي اللّه عنها - : يا أم المؤمنين ! ما كان أكثر دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان عندك ؟ قالت : كان أكثر دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك » . فقلت : يا رسول اللّه ! ما أكثر دعاءك : يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك ؟ قال : « يا أمّ سلمة ! إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه ، فمن شاء أقام ، ومن شاء أزاغ » . وهذه الآية ، وأمثالها حجّة على المعتزلة ، ومن نحا نحوهم في قولهم : إنّ اللّه لا يضلّ العباد ، ولو لم تكن الإزاغة من قبله ؛ لمّا جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله . وروي : أنّ أمّ سلمة - رضي اللّه عنها - سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلّمها دعوة تدعو بها لنفسها ، فقال : قولي : « اللّهمّ ربّ محمد النبيّ اغفر لي ذنبي ، وأذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلّات الفتن » . وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً : امنحنا ، وتكرّم علينا برحمة من عندك تفضلا ، وتكرما لا عن سبب منّا ، ولا عمل . إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ : الهبة : العطية الخالية من الأعواض ، والأغراض ، و الْوَهَّابُ : صفة اللّه تعالى ؛ الذي يعطي كلّ أحد على قدر استحقاقه ، وخالية ممّا ذكره . وهو المتفضل بما ينعم على عباده ، لا يجب عليه شيء . هذا ؛ و ( لدن ) بمعنى : عند ، وفيها إحدى عشرة لغة ، أفصحها إثبات النون ساكنة ، وهي لغة القرآن الكريم ، وهي بجميع لغاتها معناها : أول غاية زمان ، أو مكان ، وقلّما تفارقها « من » الجارة لها ، فإذا أضيفت إلى الجملة ؛ تمحضت للزّمان ؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا « حيث » . ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لمّا لم يتمحض ( لدن ) في الأصل للزّمان ، وإذا أضيفت للضّمير ؛ وجب إثبات النّون ؛ لأنه لا يقال : لده ، ولا : لدك . فائدة : قال مكيّ بن أبي طالب القيسي - رحمه اللّه تعالى - : ونداء الربّ قد كثر حذف ( يا ) النداء منه في القرآن الكريم . وعلّة ذلك : أنّ في حذف ( يا ) من نداء الربّ تعالى ، فيه معنى التعظيم له ، والتنزيه ، وذلك : أنّ النداء فيه ضرب من معنى الأمر ، لأنّك إذا قلت : يا زيد ! فمعناه : تعال يا زيد ، أدعوك يا زيد . فحذفت ( يا ) من نداء الرب ؛ ليزول معنى الأمر ، وينقص ؛ لأنّ ( يا ) تؤكّده ، وتظهر معناه ، فكان في حذف ( يا ) التعظيم ، والإجلال ، والتنزيه للربّ تعالى ، فكثر حذفها في القرآن الكريم ، والكلام العربيّ في نداء الربّ لذلك المعنى . انتهى . الإعراب : رَبَّنا : منادى حذف منه حرف النداء ، و ( نا ) في محل جر بالإضافة . من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه . لا : دعائية . تُزِغْ : فعل مضارع مجزوم ب لا والفاعل مستتر ، تقديره : أنت . قُلُوبَنا : مفعول به ، و ( نا ) في محل جر بالإضافة . بَعْدَ : ظرف زمان متعلق بالفعل قبله ، وهو مضاف ، و إِذْ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة . هَدَيْتَنا : فعل ، وفاعل ، ومفعول به ، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة : إِذْ